ابن قيم الجوزية
181
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
ويسمى هذا شهادة أيضا ، كما في قوله تعالى : 9 : 17 ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلون من أعمال الكفر وأقواله ، فهي شهادة بكفرهم ، وهم شاهدون على أنفسهم بما شهدت بها عليهم . والمقصود : أنه سبحانه يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالة عليه . فإن دلالتها إنما هي بخلقه وجعله ، ويشهد بآياته القولية الكلامية المطابقة لما شهدت به آياته الخلقية ، فتتطابقت شهادة القول وشهادة الفعل ، كما قال تعالى : 41 : 53 سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أي أن القرآن هو الحق . فأخبر أنه يدل بآياته الأفقية والنفسية على صدق آياته القولية الكلامية . وهذه الشهادة الفعلية : قد ذكرها غير واحد من أئمة العربية والتفسير . قال ابن كيسان « 1 » : شهد اللّه بتدبيره العجيب ، وأموره المحكمة عند خلقه : أنه لا إله إلا هو . فصل وأما المرتبة الرابعة : وهي الأمر بذلك والإلزام به ، وإن كان مجرد الشهادة لا يستلزمه ، لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه ، وتتضمنه . فإنه سبحانه شهد به شهادة من حكم به ، وقضى وأمر ، وألزم عباده به كما قال تعالى : 17 : 23 وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وقال تعالى : 16 : 51 وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ ، إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وقال تعالى : 98 : 5 وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وقال تعالى : 17 : 22 لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ * وقال تعالى : 26 : 213
--> ( 1 ) هو وهب بن كيسان المدني المؤدب توفي سنة سبع وعشرين ومائة عن سن عالية .